خطاب اوباما "التاريخي" بخصوص القضية العرقية في الحياة الأمريكية
إن مسألة العرق في الحياة السياسة الأمريكية مسالة تتصف بالصعوبة و بالحساسية منذ الأيام الأولى لوجود الأمة الأمريكية. وقد برزت بوصفها موضوعا للمناقشة والحوار في حملة الانتخابات الرئاسية الحالية، عندما رشح الحزب الديمقراطي لانتخابات نوفمبر امرأة بيضاء و رجل من أصول إفريقية. لقد بدأ الامتعاض عقب تصريحات القس جريميا أوريت، التي اعتبرها الكثير من الأميركيين من جميع الخلفيات حارقة وتبعث على الشقاق. يعمل القس أورايت في كنيسة في شيكاغو بولاية ايلينوي، كثيرا ما عبر السناتور اوباما عن علاقته الروحية مع القس رأيت بوصفه المرشد الروحي له.
و قد تناول السناتور اوباما هذه التصريحات في خطاب له في فيلاديلفيا بنسلفانيا ، يوم الثلاثاء ، 18 آذار / مارس وصفه المعلقون من اليمين و من يسار و من حتى من خارج الولايات المتحدة بأنه تاريخي. صحيفة نيويورك تايمز وصفت الخطاب بأنه ايجابي و قارنته مع بعض من الخطب الأكثر شهرة في التاريخ السياسي الأميركي، مثل خطاب التنصيب لآبراهام لينكولن وفرانكلين روزفلت وخطاب جون كينيدي في 1960 حول الدين والحياة العامة. كما رأت لوس انجيليس تيمز أن خطاب "باراك اوباما كان نقاشا جديا حول الانقسام العرقي، وعدم الثقة وتشويه صورة". أما الصفي و المحلل السياسي تشارلزاكروثامر فقد انتقد اوباما قائلا أنه لم يتبرأ من مستشاره الروحي، وأضاف أن اوباما أظهر في خطابه ما اسماه "عبقرية الاحتيال".
لكن هناك شيء واحد يبدو واضحا للعيان و هو أن مثل هذا النوع من النقاش كان دائما جزءا أساسيا من حياة أمريكا الديمقراطية. و يعتقد جل الأميركيون من مختلف الانتماءات السياسية ان أفضل طريقة بالنسبة لنا لحل مشاكلنا هو أن نناقشها علنا، وأن يتكاتف المواطنون من أجا حمل الحكومة على تغيير مواقفها العامة و بعض سياساتها. و على مر العصور دأب أعظم قادة أمريكا على مواجهة تحديات الأمة بشكل علني وبوضوح و ذلك لدفع الأمة إلى التحرك إلى الأمام.
ونظرا لأهمية هذا الخطاب في الحملة الانتخابية الحالية، ولكل زمان، فإننا قررنا توفير نسخة عربية كاملة من خطاب أوباما. و في ما يلي ترجمة للخطاب:
السناتور أوباما يدعو إلى ردم الهوة العنصرية التي يرى أنها ما زالت قائمة بين السود والبيض
(نص خطابه في ولاية بنسلفانيا يوم 18 آذار/مارس 2008)
فيلادلفيا، ولاية بنسلفانيا، 21 آذار/مارس 2008 – ألقى السناتور باراك أوباما عضو مجلس الشيوخ الذي يخوض حملة الترشيح للانتخابات الرئاسية عن الحزب الديمقراطي خطابا جامعا مؤثرا في مدينة فيلادلفيا يوم الثلاثاء 18 آذار/ مارس تناول فيه موضوع ما أثير من جدل واسع حول التصريحات والتعليقات التي اعتبرت ذات طابع عنصري تمييزي أثناء هذه الجملة الانتخابية. وشجب أوباما في خطابه التعليقات والخطب التي تثير الشقاق والانقسام.
وقد حظي خطاب أوباما بتغطية إعلامية واسعة، في الولايات المتحدة والعالم، واعتبره بعض المعلقين الأميركيين والعالميين بأنه ربما كان الخطاب الأهم الذي يُلقى في الحملة الانتخابية الرئاسية، بل شبهه بعضهم بأنه أقرب ما يكون إلى الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأسبق جون أف كنيدي عن الدين في العام 1960 حين كان يخوض معركة الترشح لانتخابات الرئاسة الأميركية كأول كاثوليكي أميركي. الكثير من المعلقين السياسيين في الولايات المتحدة – من اليمين واليسار على حد سواء – وصفوا الخطاب بأنه "تاريخي" و"شجاع" و"نادر".
وتحدث أوباما في خطابه عن ضرورة أن يبذل الأميركيون جهودا أكبر لمواصلة العمل على كمال وحد اتحادهم بحيث يكون جامعا لكل عناصر وألوان الطيف، كما شدد على ما ينبغي أن تركز عليه الحملة الانتخابية من قضايا تهم الشعب كالتعليم والرعاية الصحية والاقتصاد وتوفير فرص العمل للمواطنين إلى جانب اهتمامات أخرى عديدة بينها الحرب في العراق وأفغانستان.
وفي ما يلي الترجمة الكاملة لنص الخطاب كما ألقاه السناتور أوباما وأورده مكتب حملته الانتخابية:
"نحن الشعب من أجل تشكيل اتحاد أكمل."
قبل مئتين وواحد وعشرين عاما اجتمع في قاعة ما زالت قائمة هناك عبر الشارع، جماعة من الرجال وأطلقوا بهذه العبارة البسيطة تجربة أميركا في الديمقراطية التي كانت مستبعدة آنذاك. فقد حقق المزارعون والمثقفون ورجال الدولة والوطنيون الذين عبروا المحيط هربا من الطغيان والاضطهاد إعلانهم الاستقلال في نهاية المطاف في مؤتمر فيلادلفيا الذي استمر طيلة ربيع العام 1787.
فقد تم التوقيع على الوثيقة التي توصلوا إليها في النهاية، ولكنها لم تكتمل نهائيا. فقد لطّختها خطيئة الرّق الأساسية التي ارتكبتها هذه الأمة، وهي مشكلة سببت انقسام المستعمرات وأدت بالمؤتمر إلى طريق مسدود إلى أن اختار مؤسسو البلاد السماح باستمرار تجارة الرق عشرين عاما أخرى على الأقل وترك القرار النهائي بصددها للأجيال القادمة.
وكان الرد على مسألة الرق بالطبع مثبتا فعلا في دستورنا – وهو دستور ضم في صميم جوهره القدوة المثالية للمساواة بين المواطنين بموجب القانون، وهو دستور وعد شعبه بالحرية والعدل وباتحاد يمكن وينبغي له أن يكون تاما كاملا على مر الزمن.
غير أن كلمات الحبر على ورق لم تكن كافية لتخليص الأرقاء من العبودية أو توفير الحقوق الكاملة ولتحديد التزامات الرجال والنساء، كمواطنين للولايات المتحدة من كل لون ومذهب. والأمر الذي كانت هناك حاجة إليه هو أن أجيال الأميركيين المتعاقبة التي كانت على استعداد كي تقوم بواجبها – من خلال الاحتجاج والكفاح، سواء في الشوارع وفي المحاكم وعن طريق الحرب الأهلية والعصيان المدني، مع التعرض دائما لمخاطر كبيرة – في تضييق الفجوة بين ما وعدت به مثُلنا وواقع ذلك الزمان.
كان ذلك أحد الواجبات التي عقدنا العزم عليها في بداية هذه الحملة (الانتخابية) – وهو مواصلة المسيرة الطويلة التي بدأها من سبقونا، وهي مسيرة من أجل أميركا الأكثر عدلا ومساواة والأكثر حرية والأكثر عناية والأكثر رخاء. وقد اخترتُ خوض الانتخابات الرئاسية في هذه الهنيهة من التاريخ لأنني أومن إيمانا عميقا بأننا لن نستطيع حل مشاكل زماننا إلا إذا عملنا على حلها معا – وما لم نبلغ اتحادنا درجة الكمال بإدراك أن لنا حكايات مختلفة، ولكننا نهدهد آمالا مشتركة، وأننا قد لا نبدو متشابهين، وأننا لم نأت من نفس المكان، ولكننا جميعا نريد أن نسير في نفس الاتجاه – نحو مستقبل أفضل لأبنائنا وأحفادنا.
إن هذا الاعتقاد مبعثه إيماني الثابت بلياقة الشعب الأميركي وكرمه. ولكنه ينبع أيضا من قصتي الأميركية الخاصة.
فأنا ابن رجل أسود من كينيا وامرأة بيضاء من (ولاية) كانزاس. وقد نشأتُ بمساعدة من جدّ أبيض نجا من الكساد وخدم في جيش (الجنرال) باتون خلال الحرب العالمية الثانية، وجدّة بيضاء عملت في مصنع لتجميع القنابل في قاعدة فورت لفنورت عندما كان هو (جدي) خارج البلاد. والتحقتُ بأفضل المدارس في أميركا، وعشت في واحدة من أفقر دول العالم. وأنا متزوج من أميركية سوداء تجري في عروقها دماء الأرقاء وأصحاب العبيد على السواء، وهو إرث نقلناه لابنتينا الغاليتين. ولي إخوان وأخوات وبنات وأبناء إخوان وأخوات وأعمام وأبناء عم من كل عرق وكل لون منتشرين في ثلاث قارات. ولن أنسى أبدا ما حييت أن حكايتي ما كان لها أن تحدث في أي بلد آخر على وجه الأرض.
إنها قصة لم تجعل مني المرشح التقليدي جدا. لكنها حفرت في تكويني الوراثي الجيني فكرة أن هذه الأمة أكبر من مجموع أجزائها – أي أننا رغم كثرتنا فنحن في الحقيقة واحد.
لقد شهدنا طيلة العام الأول من هذه الحملة، وأمام كل التكهنات التي على النقيض من ذلك، تعطش الشعب الأميركي الزائد إلى رسالة الوحدة هذه. فعلى الرغم من الإغراء بالنظر إلى ترشيحي بعين محض عنصرية فقد حُزنا على انتصارات واضحة في ولايات تضم أكبر نسب من الأغلبية البيضاء في البلاد. ففي ولاية ساوث كارولينا، حيث ما يزال العلم الكونفدرالي مرفرفا، بنينا ائتلافا قويا بين الأميركيين الأفريقيين والأميركيين البيض.
لا يعني قولي هذا أن مسألة العرق لم تكن مشكلة في الحملة. فقد عمد بعض المعلقين في مراحل مختلفة من الحملة إلى اعتباري إما "أسود جدا" أو "لست أسود إلى حد كاف." وشهدنا التوترات العرقية تطفو إلى السطح وتظهر خلال الأسبوع الذي سبق انتخابات الترشيح التمهيدية في ساوث كارولينا. فقد دقق الصحفيون في كل استطلاع خروج انتخابي (سؤال الناخبين عن اختيارهم بعد الإدلاء بأصواتهم) بحثا عن أحدث دليل على الاستقطاب العنصري، لا من حيث البيض والسود وحسب، بل ومن حيث الأسود والحنطي أيضا.
ومع ذلك فلم يتخذ النقاش حول العرق في هذه الحملة منعطفا انقساميا بوجه خاص إلا خلال الأسبوعين الماضيين.
فقد سمعنا في جانب من جوانب الطيف إيحاء بأن ترشيحي هو إلى حد ما مجرد تطبيق لقانون "الفعل الإيجابي" (القانون الذي ينص على ضرورة منح النساء والأقليات في أميركا حقوقهم في التوظيف والفرص) القائم فقط على أساس رغبة الليبراليين المترقبين بعيون مفتوحة وإعجاب في شراء الوفاق العرقي بثمن بخس. وفي الناحية الأخرى سمعنا القس المحترم جريمايا رايت وهو يستخدم لغة ملهبة للتعبير عن آراء لا تنطوي على مجرد احتمال توسيع الهوة العنصرية وحسب، بل إنما هي آراء تشوه سمعة العظمة والطيبة التي لبلدنا، وتسيء فعلا إلى البيض والسود على حد سواء.
وقد شجبتُ بالفعل بكلام واضح لا لبس فيه التصريحات التي أدلى بها القس رايت وتسببت في ما ثار من جدل. ولكن ما زالت هناك تساؤلات ملحة عند البعض. منها هل أنني عرفته أحيانا كناقد مرير للسياسات الأميركية الداخلية والخارجية؟ طبعا. وهل سمعته يدلي فصح بملاحظات يمكن اعتبارها مثيرة للجدل وأنا موجود في الكنيسة؟ نعم. وهل أختلف معه اختلافا كبيرا في كثير من آرائه السياسية؟ حتما، وذلك مثل ما أنا واثق من أن الكثيرين منكم سمعوا ملاحظات من قساوستهم وكهنتهم أو حاخاماتهم وهم يختلفون معهم فيها اختلافا شديدا.
غير أن التصريحات التي تسببت في إثارة هذه العاصفة الملتهبة مؤخرا لم تكن ببساطة مجرد مثيرة للجدل. فلم تكن الملاحظات مجرد محاولة من زعيم ديني للتحدث معترضا على ما يراه من عدم إنصاف. لكنها عبرت بدلا من ذلك عن نظرة مشوهة في أساسها لهذا البلد – نظرة ترى التعصب العرقي الأبيض مستوطنا مستشريا، مما يرفع ما في أميركا من خطأ فوق مستوى ما نعلم ما هي عليه أميركا من صواب، وهي نظرة ترى الصراع في الشرق الأوسط وكأنه متأصل أساسا في تصرفات حلفاء أقوياء مثل إسرائيل بدلا من أن يكون نابعا من انحراف الإيديولوجيات البغيضة للإسلام الراديكالي المتطرف.
وهكذا فإن تعليقات القس رايت لم تكن مغلوطة وحسب، بل وانقسامية، انقسامية في وقت نحن بحاجة فيه إلى الوحدة، ومشحونة بالعنصرية في زمن نحن بحاجة فيه إلى أن نلتقي على حل مجموعة من المشاكل الكبرى، وهي حربان، وخطر إرهابي واقتصاد متداع وأزمة رعاية صحية مزمنة واحتمال تغير مدمر في المناخ، وهي مشاكل ليست سوداء ولا بيضاء ولا لاتينية (نسبة إلى الأميركيين من أصل أميركي لاتيني) ولا آسيوية، ولكنها مشاكل تجابهنا جميعا.
وبناء على أصلي وخلفيتي وسياساتي وما أنادي به من قيم ومثل، ينبغي أن لا يكون هناك أي شك عند من أعلن لهم من تصريحات الشجب بأنها غير كافية. فقد يتساءلون لماذا أربط نفسي أصلا بالقس رايت؟ ولماذا لا أنضم إلى عضوية كنيسة أخرى؟ وأنا أقر بأنني لو عرفت أصلا كل ما عرفته عن القس رايت من نتف من تلك المواعظ التي ظلت تدور في حلقة لا نهاية لها على التلفزيون وعلى موقع يو تيوب (على الإنترنت) وفي كنيسة الثالوث المتحدة (ترينتي يونايتد تشيرتش) وتوافقت مع المفاهيم الكاريكاتورية التي يعرضها بعض المعلقين، لما كان هناك أي شك في أنني كنت سأرد غالبا بنفس الطريقة التي رددت بها.
لكن الحقيقة هي أن هذا ليس كل ما أعرف عن الرجل. فالرجل الذي قابلته قبل أكثر من عشرين سنة، كان رجلا ساعد في تعريفي بالدين المسيحي، رجلا حدثني عن واجب حب بعضنا بعضا ورعاية المرضى وإعانة الفقراء. وهو رجل خدم بلاده كفرد في مشاة البحرية الأميركية، ودرس وحاضر في أحسن الجامعات والمعاهد الدينية في البلاد، وظل على مدى أكثر من ثلاثين سنة يوجه الكنيسة التي تخدم المجتمع، وذلك بتنفيذ مشيئة الله على الأرض من إيواء للمشردين وإعانة المحتاجين وتقديم خدمات الحضانة والرعاية النهارية والمنح الدراسية والوعظ في السجون والتواصل مع أولئك المصابين بفيروس أو مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز).
وقد وصفتُ في كتابي الأول بعنوان "أحلام من أبي" التجربة التي خرجت بها من أول قداس حضرته في كنيسة الثالوث تلك على الوجه التالي:
"بدأ الناس يصرخون وينهضون من مقاعدهم ويصفقون ويصرخون فيما حملت ريح عاصفة صوت القس إلى دعامات السقف... وفي تلك النغمة الوحيدة – الأمل – سمعت شيئا آخر. فعند أسفل الصليب في آلاف كنائس المدينة تصورتُ حكايات الناس السود العاديين وقد امتزجت بقصص داود وجالوت، وموسى وفرعون، والمسيحيين في عرين الأسد، وحقل حزقيال بعظامه الجافة. فتلك القصص – قصص البقاء والحرية والأمل – أصبحت قصتنا، قصتي، فالدم الذي أريق كان دمنا، والدموع التي سكبت كانت دموعنا، حتى بدت هذه الكنيسة السوداء في هذا اليوم المشرق من جديد مركبا يحمل قصة شعب إلى الأجيال القادمة في عالم أوسع. وغدت تجاربنا وانتصاراتنا على الفور فريدة وشاملة، سوداء أكثر من السواد في تسجيلها وقائع رحلتنا، والحكايات والأغاني التي أمدتنا بوسيلة استرداد ذكرياتنا التي لسنا بحاجة إلى الشعور بالعار منها ... ذكريات يمكن للناس جميعا أن يدرسوها ويحفظوها – وبها نحن نستطيع أن نبدأ البناء."
كانت تلك تجربتي مع كنيسة الثالوث. وهي كغيرها من الكنائس ذات الأغلبية السوداء في البلاد، فكنيسة الثالوث تجسد المجتمع الأسود بأسره – من طبيب وأم تعيش على المعونة الاجتماعية وطالب نموذجي وعضو عصابة سابق. وقداديس كنيسة الثالوث كغيرها من قداديس السود تضج بالضحك وتتخللها أحيانا الفكاهة غير المحتشمة. وهي تعج بالرقص والتصفيق والصراخ والصياح الذي قد يبدو منفرا للأذن غير المدرّبة. والكنيسة تضم كل ما في الرفق والقسوة، وحدّة الذكاء والجهل المطبق، والكفاح والنجاح، والحب، ونعم، المرارة والتحيز التي تشكل كلها تجربة السود في أميركا.
لعل هذا يساعد في إيضاح علاقتي بالقس رايت. وهو على ما قد يكون عليه من عدم الكمال، فقد كان بالنسبة لي في مقام العائلة، إذ عزز إيماني وقوّاه وترأس مراسم زواجي وعمّد أطفالي. ولكنني لم أسمعه ولو مرة واحدة في أحاديثي معه يصف أي جماعة عرقية بألفاظ تحط من قدرها أو يعامل البيض الذين يتفاعل معهم بغير كياسة واحترام. وهو ينطوي في دخيلته على المتناقضين – الطيب والسيئ – من المجتمع الذي خدمه بجد ونشاط سنوات عديدة.
فأنا لا أستطيع أن أتبرأ منه مثل ما لا يمكنني التبرؤ من المجتمع الأسود. ولا أستطيع إنكاره مثل ما لا أستطيع نكران جدتي البيضاء، المرأة التي ساعدت على تنشئتي، المرأة التي ضحت مرات ومرات من أجلي، المرأة التي أحبتني بقدر ما أحبت أي شيء في العالم، ولكنها امرأة اعترفت مرة بخوفها من الرجال السود كلما مروا بها في الشارع، والتي تلفظت مرة بألفاظ عنصرية أو عرقية نمطية كانت تثير فيّ مشاعر الانقباض.
هؤلاء الناس هم جزء مني. وهم جزء من أميركا، هذا البلد الذي أحبه.
قد يجد البعض في هذا محاولة لعذر أو تبرير للتعليقات التي هي ببساطة لا عذر أو مبرر لها. وبإمكاني أن أؤكد لكم أنها لا تغتفر. وأفترض أن ما هو مأمون سياسيا هو الخروج من هذه الحادثة مع الأمل بأن تخبو وتتلاشى. ربما بإمكاننا أن نستبعد القس رايت باعتباره طائشا أو غوغائيا مثل ما استبعد البعض جيرالدين فيرارو بعد تصريحاتها الأخيرة التي انطوت على تعصب عنصري عميق الجذور.
لكن العنصرية قضية أعتقد أن هذا البلد ليس في وضع يستطيع فيه تجاهلها في الوقت الحاضر. وإلا فنكون قد ارتكبنا الخطأ ذاته الذي ارتكبه القس رايت في مواعظه المهينة عن أميركا – بإطلاق الصور النمطية وتضخيم السلبيات إلى الحد الذي يبلغ تشويه الحقيقة.
والحقيقة هي أن التعليقات التي ترددت والقضايا التي طفت إلى السطح خلال الأسابيع القليلة الماضية تعبر عن تعقيدات مسألة العرق في هذا البلد والتي لم نعمل فعلا على حلها – وهو جزء من اتحادنا الذي ما زال علينا أن نبلغه حد الكمال. وإذا ما تحولنا عن ذلك الآن، وإذا تراجعنا بكل بساطة وانزوى كل منا في مكانه، فلن نصبح قادرين أبدا على الالتقاء على حل المشاكل القائمة مثل الرعاية الصحية والتعليم أو الحاجة إلى إيجاد فرص عمل جيدة لكل أميركي.
إن إدراك هذا الواقع يتطلب التذكير بكيفية وصولنا إلى هذه النقطة. فقد كتب وليام فوكنر ذات مرة يقول "إن الماضي لم يمت ويدفن، وهو في الحقيقة ليس ماضيا." ولا حاجة بنا هنا إلى استذكار تاريخ عدم الإنصاف العنصري في هذا البلد. لكن ما نحن بحاجة إليه هو تذكير أنفسنا بأن التفاوت القائم في المجتمع الأميركي الأفريقي اليوم يمكن ردّ أصله مباشرة إلى عدم المساواة التي انتقلت من جيل سابق عانى من تركة الاسترقاق الوحشية وجيم كرو (رمز سياسة الفصل العنصري والتمييز ضد السود).
فمدارس الفصل العنصري كانت وما زالت مدارس دون المستوى ولم نصلحها حتى الآن بعد خمسين سنة من قضية براون ضد مجلس التعليم، وقد يساعد المستوى التعليمي المتدني لكل المدارس آنذاك والآن على إيضاح فجوة الإنجاز القائمة اليوم وتفصل بين الطلبة السود والبيض.
وكان معنى التمييز القانوني – الذي منع بموجبه السود، بواسطة العنف أحيانا من حيازة الملكية أو منع منح القروض للأميركيين السود أصحاب الأعمال، كما لم يتمكن مالكو البيوت السود من الحصول على قروض الرهن من إدارة المساكن الفدرالية، كذلك استبعد السود من النقابات وقوات الشرطة ومحطات إطفاء الحرائق – أن العائلات السوداء لا تستطيع جمع ثروة لها قيمة يمكن توريثها لأجيال قادمة. ويساعد ذلك التاريخ على توضيح فجوة الثروة والدخل بين السود والبيض وجيوب تجمعات الفقر التي ما زالت موجودة في كثير من المجتمعات المدنية والريفية حتى اليوم.
وقد ساهم عدم توفر الفرص الاقتصادية للرجال السود والعار والخيبة من عدم القدرة على توفير الرزق للأسرة في تفرّق أسر السود وتآكلها – وهي مشكلة زادتها سياسات الإنعاش الاجتماعي على مر السنين سوءا. ثم إن الافتقار إلى الخدمات الأساسية في كثير من أحياء السود في المدن – كالحدائق لتوفير ملاعب للأطفال وعدم وجود دوريات الشرطة وعدم جمع النفايات بانتظام وعدم تطبيق قوانين المباني- في المساعدة على خلق دورة من العنف والفساد والإهمال التي ما زالت مستمرة في ملاحقتنا.
هذا هو الواقع الذي نشأ فيه جيل القس رايت وغيره من الأميركيين الأفارقة. وقد بلغوا رشدهم في أواخر الخمسينات أو أوائل الستينات في الوقت الذي كان فيه الفصل العنصري ما يزال القانون السائد في البلاد وكانت الفرص مقيدة مضيقة بانتظام. ومن الجدير بالملاحظة هو ليس عدد الذين فشلوا في مواجهة التمييز، بل كم هم أولئك الرجال والنساء الذين تغلبوا على الاحتمالات، وكم هم الذين استطاعوا أن يشقوا طريقا حيث لا طريق لمن يأتون بعدهم من أمثالي.
غير أنه مقابل أولئك الذين شقوا بأظفارهم طريقهم إلى تحقيق جزء من الحلم الأميركي كان هناك كثيرون ممن أخفقوا – وهم أولئك الذين هزمهم في نهاية المطاف بأسلوب ما أو بآخر التمييز العنصري. وانتقلت تلك التركة من الهزيمة إلى أجيال المستقبل – هم أولئك الرجال الشبان والشابات، اللواتي يتزايد عددهن، الذين يتسكعون على نواصي الشوارع ويذوون في سجوننا لا أمل لهم ولا توقعات للمستقبل. وحتى بالنسبة لأولئك السود الذين نجحوا، فإن مسألة العرق والعنصرية ما زالت تحدد نظرتهم إلى العالم بطرق أساسية. فبالنسبة للرجال والنساء الذين من جيل القس رايت لم تتلاش ذكريات المهانة والشك والخوف، كما لم يهدأ الغضب والمرارة من تلك السنوات. ولا يمكن التعبير عن ذلك الغضب علنا وفي حضور رفاق العمل البيض أو أمام الأصدقاء البيض. لكن ذاك التعبير يجد متنفسا في دكاكين الحلاقين أو حول مائدة الطعام. وقد يستغل السياسيون هذا الغضب أحيانا لاستدراج الأصوات على أساس عرقي أو للتعويض عن فشل السياسيين أنفسهم.
وأحيانا ما يجد هذا الغضب له متنفسا في الكنائس صباح الآحاد على المنابر أو بين المقاعد. والواقع أن حقيقة أن كثيرا من الناس فوجئوا بسماع الغضب في بعض مواعظ القس رايت تذكرنا بالحقيقة الثابتة وهي أن ساعة الفصل العنصري الأوضح في الحياة الأميركية تحدث صباح الأحد. هذا الغضب ليس مجديا دائما، فهو في غالب الأحيان يشغل الاهتمام عن حل المشاكل الفعلية ويحول دون تصدينا فعلا لتواطئنا في التوصل إلى الحال الذي نحن فيه ويمنع المجتمع الأميركي الأفريقي من التوصل إلى التحالف الذي يحتاج إليه لإحداث تغيير حقيقي. لكن الغضب حقيقي وشديد والتمني أن يزول ببساطة وشجبه دون إدراك لجذوره لا يؤديان إلا إلى توسيع شقة سوء التفاهم القائمة بين الأعراق.
والواقع هو أن هناك غضبا مماثلا عند قطاعات من مجتمع البيض. إذ يشعر معظم العاملين وأبناء الطبقة المتوسطة من الأميركيين البيض بأنهم متميزون بشكل خاص بحكم جنسهم. وتجربتهم هي تجربة المهاجرين – فهم بالنسبة لما يخصهم لم يقدّم لهم أحد شيئا وإنما بنوا أنفسهم من لا شيء. فقد عملوا بكد طول حياتهم، ولكن ليشهدوا في كثير من الأحيان أعمالهم ووظائفهم تصدر إلى الخارج أو يفقدون تقاعدهم بعد عمل استغرق كل حياتهم. إنهم قلقون على مستقبلهم ويشعرون بأن أحلامهم قد راوغتهم في وقت كسدت في الأجور وبدت المنافسة العالمية والفرصة لعبة خاسرة يأتي فيها تحقيق حلمك على حسابي. ولذا فإنهم عندما يقال لهم إن أبناءهم سينقلون بالحافلات إلى مدارس عند الطرف الآخر من المدينة، وعندما يسمعون أن أميركيا أفريقيا قد ساعده الحظ في الحصول على عمل جيد أو على مكان في كلية جيدة بسبب عدم إنصاف لم تكن لهم يد فيه، وعندما يقال لهم إن مخاوفهم من الجريمة في أحياء المدينة فيها نوع من التحيز، فإن الاستياء يتزايد مع الوقت.
وهذا الاستياء، شأنه شأن الغضب عند مجتمعات السود، لا يتم التعبير عنه دائما بحضور صحبة مهذبة. لكنه ساعد في تشكيل المشهد السياسي خلال جيل من الزمن على الأقل. فالغضب من المعونة الاجتماعية وقانون "الفعل الإيجابي" ساعد على تكوين ائتلاف الرئيس ريغان. وقد استغل السياسيون دوريا المخاوف من الجريمة لمصالحهم الانتخابية. وبنى مقدمو برامج الأحاديث الكلامية والمعلقون المحافظون مهنهم كليا على كشف ادعاءات عنصرية زائفة مستبعدين في الوقت ذاته أي بحث مشروع في عدم الإنصاف وعدم المساواة العنصرية معتبرين ذلك مجرد صواب سياسي أو عنصرية مضادة.
وبالقدر الذي أدى فيه غضب السود إلى نتائج عكسية في كثير من الأحيان، عمل استياء البيض هذا على تحويل الانتباه عن الجاني الحقيقي المسؤول عن التضييق على الطبقة المتوسطة – وهو ثقافة الشركات التي يتفشى فيها التعامل الداخلي وأساليب المحاسبة التي تثير الشك وتحقيق المطامع على المدى القصير, وواشنطن التي يسيطر عليها المروجون (اللوبي) وأصحاب المصالح الخاصة، والسياسات الاقتصادية التي تحابي القلة دون الكثرة. ثم إن مجرد التمني بزوال استياء البيض، أو وصفهم بأنهم مضلَّلون، أو حتى أنهم عنصريون دون إدراك أنهم مؤسسون على اهتمامات مشروعة – فهذا أيضا يزيد الشقة العنصرية اتساعا ويسد الطريق أمام التفاهم.
هذا هو حالنا اليوم. إنه طريق عنصري مسدود علقنا به سنوات طويلة. وإنني خلافا لما يدعيه بعض ناقديّ من سود وبيض، لم أكن ساذجا أبدا إلى حد الاعتقاد بأننا نستطيع تجاوز انقساماتنا العنصرية في دورة انتخابية واحدة أو بترشيح لمرة واحدة، وعلى الأخص ترشيح غير كامل مثل ترشحي.
لكنني أكدت قناعة ثابتة – قناعة متأصلة في إيماني بالله وإيماني بالشعب الأميركي – وهي أننا بالعمل معا نستطيع تجاوز بعض جراحاتنا العنصرية القديمة، وهذا في الواقع ليس لنا خيار فيه إذا أردنا أن نواصل السير على طريق اتحاد أكمل.
إن هذا الطريق بالنسبة للمجتمع الأميركي الأفريقي يعني حمل أثقال الماضي دون أن يصبح ضحية ماضينا. ويعني الاستمرار في الإصرار على إجراء من العدل والإنصاف الكاملين في كل وجه من أوجه الحياة. لكنه يعني أيضا ربط مظالمنا وشكاوانا الخاصة – من أجل رعاية صحية أفضل ومدارس أفضل وأعمال أحسن – بالأماني الأكبر لكل الأميركيين – من امرأة بيضاء مكافحة في سبيل هدم السقف الوهمي فوقها ورجل أبيض فصل من عمله، ومهاجر يحاول إطعام أهله. وهو يعني حملنا المسؤولية كاملة بالنسبة لحياتنا الخاصة – عن طريق مطالبة آبائنا بالمزيد وتمضيتنا وقتا أطول مع أبنائنا نقرأ لهم ونعلمهم بأنهم في الوقت الذي قد يواجهون فيه تحديات وتمييزا في حياتهم ينبغي عليهم أن لا يستسلموا أبدا لليأس والسخرية، وأن عليهم أن يؤمنوا دائما بأنهم قادرون على أن يقرروا مصيرهم.
ومن قبيل السخرية أن خلاصة هذه الفكرة عن مساعدة الذات، التي هي في جوهرها أميركية – نعم وهي محافظة – كثيرا ما وجدت تعبيرا عنها في مواعظ القس رايت. غير أن ما أخفق في فهمه قسيسي السابق مرارا هو مباشرة العمل ببرنامج لمساعدة الذات يتطلب أيضا الإيمان بأن المجتمع يمكن أن يتغير.
إن الخطأ الأساسي في مواعظ الكاهن رايت لا يكمن في أنه تحدث عن العنصرية في مجتمعنا. بل في أنه تحدث عن مجتمعنا وكأنه جامد وكما أن التقدم قد حدث وانتهى، وكأن هذا البلد – البلد الذي مكّن واحدا من أبنائه من أن يرشح نفسه لأعلى مناصب البلاد ويشكل ائتلافا من البيض والسود واللاتينيين والآسيويين، غنيهم وفقيرهم، وكبيرهم وصغيرهم – مرتبط بشكل لا فكاك منه بالماضي المأساوي. بيد أن ما نعلمه – وما رأيناه – هو أن أميركا قادرة على التغيير. فتلك عبقرية هذا البلد الفعلية. فما حققناه حتى الآن من إنجاز يبعث فينا الأمل – الجرأة على الأمل – بما يمكننا ويترتب علينا أن ننجزه غدا.
أما بالنسبة للمجتمع الأبيض، فإن الطريق إلى اتحاد أكمل يعني الاعتراف بأن ما يوجع المجتمع الأميركي الأفريقي ليس في أذهان الناس السود فقط، وأن تركة الماضي من التمييز – وحوادث التمييز الحالية، وإن كانت ليست ظاهرة كما كانت في الماضي – هي أمراض حقيقية لا بد من معالجتها. لا بالأقوال فقط، بل وبالأفعال أيضا – وذلك بالاستثمار في مدارسنا ومجتمعاتنا، وبتطبيق قوانين حقوقنا المدنية وضمان العدل والإنصاف في نظامنا القضائي الجنائي، وتوفير سلّم الفرص لهذا الجيل والذي لم يكن متوفرا للأجيال السابقة. وذلك يتطلب من كل الأميركيين أن يدركوا أن أحلامكم لا ينبغي لها أن تتحقق على حساب أحلامي، وأن الاستثمار في الصحة والإنعاش الاجتماعي وتعليم الأطفال السود والحنطيين والبيض سيساعد كل الأميركيين على تحقيق الرخاء في نهاية المطاف.
وفي النهاية، فإن المطلوب شيء لا أكثر ولا أقل مما تتطلبه أديان العالم الكبرى – وهو أن نفعل للآخرين ما نحب أن يفعلوه لنا. فلنكن القيمين الحريصين على أخينا كما تأمرنا الكتب المقدسة. ولنكن الحريصين على أختنا. ولنجد تلك المصلحة المشتركة التي لكل واحد منا في الآخر، ولندع سياساتنا تعبر عن روحنا أيضا.
إننا نملك الخيار في هذا البلد، فنحن نستطيع أن نقبل بسياسات تولّد الانقسام والشقاق والسخرية. ونستطيع أن نعالج العنصرية كمشهد باهر فقط – كما فعلنا في محاكمة أو جي سمسون – أو في أعقاب مأساة، كما فعلنا على أثر إعصار كاترينا – أو كغذاء لنشرات الأخبار المسائية. إن باستطاعتنا أن نعرض خطب القس رايت على كل قناة (تلفزيونية) يوميا ونتحدث عنها من الآن وحتى موعد الانتخابات، ونطرح السؤال الوحيد في هذه الحملة وهو ما إذا كان الشعب الأميركي يعتقد أو لا يعتقد أنني أومن بكلماته (القس رايت) المنفرة أو أتعاطف معها بشكل ما. ويمكننا أن ننقضّ على زلّة لإحدى مؤيدات هيلاري (كلنتون) ونعتبرها دليلا على أنها تلعب لعبة العنصرية، أو يمكننا أن نتكهن حول ما إذا كان الرجال البيض سيتقاطرون على جون ماكين في الانتخابات العامة بغض النظر عن سياساته.
نحن نستطيع أن نفعل ذلك.
لكننا إذا فعلنا، فإنني أقول لكم إننا سنتحدث في الانتخابات التالية عن أمور أخرى تحول اهتمامنا. ثم عن أمر آخر فأمر آخر وهكذا دواليك دون أن يتغير شيء.
هذا هو أحد الخيارات. أو، نحن نستطيع في هذه اللحظة وفي هذه الانتخابات أن نتكاتف معا ونقول "لا ليس هذه المرة." ففي هذه المرة نريد أن نتحدث عن المدارس المتداعية التي تسلب الأطفال السود والأطفال البيض والأطفال الآسيويين والأطفال الإسبانيين وأطفال الأميركيين الأصليين مستقبلهم. نريد في هذه المرة أن نرفض الاستهزاء القائل بأن هؤلاء الأطفال غير قادرين على التعلم وبأن هؤلاء الأطفال الذين لا يشبهوننا هم مشكلة غيرنا. فأطفال أميركا ليسوا أولئك الأطفال، فهم أطفالنا نحن، ونحن لن ندعهم يقصرون عن اللحاق باقتصاد القرن الحادي والعشرين. لا ليس في هذه المرة.
نريد أن نتحدث هذه المرة عن الطوابير في غرف الطوارئ التي تغص بالسود والبيض والإسبانيين الذين لا يملكون تأمينا صحيا والذين لا يقوون على التغلب بأنفسهم على المصالح الخاصة في واشنطن ولكنهم يستطيعون التغلب عليهم إذا ما تكاتفنا وعملنا معا.
نريد في هذه المرة أن نتحدث عن المصانع المغلقة التي أمدت في يوم من الأيام الرجال والنساء من كل عرق بالعيش الكريم، وعن البيوت المعروضة للبيع التي كانت ملكا لأميركيين من كل ملة ومن كل منطقة ومن كل مشرب من مشارب الحياة. نريد أن نتحدث في هذه المرة عن واقع المشكلة الحقيقية وهي أن الشخص الذي لا يشبهك هو الذي ربما يحتل مكانك في العمل ووظيفتك، وهي أن الشركة التي تعمل فيها ستصدّر وظيفتك إلى الخارج لا لشيء سوى الربح.
هذه المرة نريد أن نتكلم عن الرجال والنساء من كل لون ومذهب الذين يخدمون معا ويحاربون معا وينزف دمهم معا في خدمة نفس العلم الفخور. نريد أن نتكلم عن كيفية إعادتهم إلى الوطن من حرب ما كان ينبغي أن يسمح بها وما كان ينبغي لها أن تشن أبدا، ونريد أن نتكلم عن الكيفية التي ندلل بها على وطنيتنا بالاهتمام بهم والعناية بأسرهم وبمنحهم المنافع التي استحقوها عن جدارة.
وما كنت أنا لأرشح نفسي لخوض الانتخابات الرئاسية لو لم أومن من صميم قلبي بأن هذا ما تريده الأغلبية الساحقة للأميركيين في هذا البلد. إن هذا الاتحاد قد لا يكمل أبدا، لكن الأجيال برهنت جيلا بعد جيل على أنه يمكن دائما تحقيق كماله. واليوم، وعندما أجد نفسي وقد انتابني شك أو شعرت باستهانة لذلك الاحتمال، وهو ما يبعث فيّ أكبر الآمال بالجيل القادم – الشباب الذين صنع سلوكهم تجاه التغيير وإيمانهم به وانفتاحهم عليه التاريخ في هذه الانتخابات.
هناك حكاية أود أن أتركها معكم اليوم على وجه الخصوص – فهي قصة كان لي الشرف العظيم في الحديث عنها في ذكرى ميلاد الدكتور (مارتن لوثر) كنغ في كنيسة أبنيزر المعمدانية في مدينته أتلانتا.
هناك امرأة شابة بيضاء في الثالثة والعشرين من عمرها اسمها آشلي بايا عملت على تنظيم حملتنا في فلورنس بولاية ساوث كارولينا. وقد انصب معظم جهدها في تنظيم مجتمعات أغلبيتها من الأميركيين الأفريقيين منذ بداية هذه الحملة، وكانت تشارك في يوم من الأيام في بحث حول مائدة مستديرة حيث حكى كل قصته وكشف عن سبب وجوده هناك.
قالت آشلي إنها عندما كانت في التاسعة من عمرها أصيبت أمها بالسرطان. ولما كانت الأم مجبرة على التخلف عن بعض أيام العمل أوقفت عن العمل وخسرت تأمينها الصحي. وكان عليهم أن يتقدموا بطلب إعلان إفلاسهم، الأمر الذي قررت آشلي عنده أن تفعل شيئا لمساعدة أمها.
كانت تعلم أن الغذاء يشكل أكبر كلفة لهما. ولذا أقنعت آشلي والدتها بأن أكثر ما تحبه وتريد أن تتناوله أكثر من غيره من طعام هو شرائح الخبز (السندوتشات) مع الخردل والمخلل.. كل يوم. فقد كان ذلك وسيلة ذات أقل تكلفة في الطعام.
واظبت على ذلك سنة حتى تحسنت أمها، وقالت لكل الحاضرين حول المائدة إن السبب في انضمامها إلى الحملة هو أن تستطيع مساعدة ملايين الأطفال الآخرين المحتاجين في البلاد والذين هم بحاجة إلى مساعدة والديهم أيضا.
والآن، كان من المحتمل أن يكون لأشلي خيار آخر. فربما قال لها أحد ما في وقت من الأوقات إن مصدر مشاكل أمها هم السود الذين يعيشون على المعونة الاجتماعية ويمنعهم كسلهم الشديد عن العمل، أو الإسبانيون الذين يدخلون إلى البلاد بطريقة غير شرعية. لكنها لم تفعل. وإنما سعت لاكتساب حلفاء لها في الحرب على عدم الإنصاف.
وعلى أية حال، فقد أنهت آشلي قصتها وقامت تدور على الحاضرين سائلة كلا منهم عن سبب تأييده الحملة. فكان لكل منهم حكاية وأسباب مختلفة. كثيرون منهم جاءوا لقضايا محددة. وأخيرا وصلوا إلى رجل مسن أسود ظل جالسا بهدوء وصمت طوال الوقت. سألته آشلي عن سبب وجوده هناك. لم يأت لقضية معينة. لم يقل إنه جاء من أجل الرعاية الصحية أو الاقتصاد. ولم يقل إنه أتى من أجل التعليم أو الحرب. ولم يقل إنه كان هناك من أجل باراك أوباما. قال للحاضرين في الغرفة بكل بساطة "أنا هنا من أجل آشلي."
"أنا هنا من أجل آشلي." إن تلك اللحظة المنفردة من التقدير بين شابة بيضاء ورجل مسن أسود ليست كافية بحد ذاتها. فهي ليست كافية لضمان تقديم الرعاية الصحية للمرضى أو توفير الأعمال للعاطلين عن العمل، أو التعليم لأبنائنا.
لكنها النقطة التي نبدأ منها. فهي حيث تنمو الوحدة وتشتد. وكما أدركت أجيال عديدة على مر مئتين وإحدى وعشرين سنة منذ وقعت عصبة من الوطنيين وثيقة فيلادلفيا، فإنه من هنا يبدأ تحقيق الكمال.